*اقتصاد "إسرائيل" مُدمّر والإفلاس بدأ من أمّ الرشراش*
اعتبر الباحث السياسي والاقتصادي أحمد بهجة أنّ الحرب الهمجية التي يشنّها العدو الصهيوني على قطاع غزة ستكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة جداً على المنطقة بأسرها، ولكن التأثير الأكبر سيكون من نصيب الكيان الإسرائيلي الذي لن يستطيع ترميم اقتصاده بسهولة رغم ما قد يحصل عليه من مساعدات من حلفائه وعلى رأسهم بالتأكيد الولايات المتحدة الأميركية.
وقال بهجة في مداخلة على إذاعة "سبوتنيك" الروسية "إنّ الاقتصاد... قبل الأرقام هو ثقة وأمان واستقرار، وهذه كلها فقدتها "إسرائيل" دفعة واحدة بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول الماضي.
وهذا ما يدفع المستوطنين أنفسهم إلى مغادرة الكيان إلى البلدان التي جاؤوا منها ويحملون جوازات سفرها، كما أنّ انعدام الثقة يجعل المستثمرين والشركات الكبرى يحجمون عن أيّ مغامرة باستثمارات جديدة في الكيان، بل ربما يعيدون النظر بمشاريع استثمارية كانوا قد أطلقوها في أوقات سابقة.
أما بلغة الأرقام فإنّ مراكز الإحصاء تفيد بأنّ الخسائر المباشرة للكيان من جراء الحرب تفوق سبعين مليار دولار، والرقم مرشح للتصاعد مع استمرار الحرب العدوانية على غزة وفلسطين.
والبورصة الإسرائيلية خسرت أكثر من ستين في المئة حتى الآن، وتمّ تجميد كلّ النشاطات والقطاعات الاقتصادية، والحركة السياحية معدومة تماماً ومثلها كلّ القطاعات الأخرى...
فضلاً عن الآثار الاقتصادية الكارثية التي تترتب على استدعاء أكثر من 350 ألف ضابط وجندي في الاحتياط إلى الخدمة الفعلية، لأنّ هؤلاء تركوا أعمالهم ووظائفهم وأشغالهم في مختلف مرافق الاقتصاد، ومن هنا القول إنّ الاقتصاد الإسرائيلي "مكربج" حالياً، وهذا له تداعيات خطيرة جداً على الوضع مستقبلاً.
وإذا كانت اقتصادات المنطقة قابلة للانتعاش بسرعة نسبية بعد توقف الحرب، بما في ذلك الاقتصاد الفلسطيني (المدمّر أصلاً والمحاصَر منذ سنوات طويلة)، فإنّ الاقتصاد في كيان العدو لا يمكن أن يعود إلى استقراره قبل وقت طويل، أما عن النمو فإنّ "إسرائيل" قد لا تراه مجدداً...
النقطة الأهمّ التي سوف تؤثر بشكل جذري على الاقتصاد في كيان العدو، تتمثل بتوقف عملية التطبيع مع عدد من الدول العربية، لا سيما مع السعودية، لأنّ "إسرائيل" كانت تسعى لأن تكون مرفأ المنطقة من خلال الحديث عن مشروع الممر الهندي الأوروبي، الذي يمر حكماً بالشرق الأوسط، وهو مشروع كانت تواجهه مصاعب وعقبات كثيرة قبل الحرب الحالية، ومن الصعب جداً العودة إليه بعد انتهاء الحرب، لأنه يقوم أساساً على التطبيع بين عدد من الدول العربية لا سيما الخليجية منها مع كيان العدو، وهذا التطبيع صار اليوم من المستحيلات... في مقابل المشروع الصيني الواقعي المتمثل بـ "الحزام والطريق" والذي يعتمد أساساً على طريق الحرير القائمة من عشرات السنين، وقد قطع تنفيذ المشروع أشواطاً مقبولة، ونحن ننتظر أن يصل إلينا لأنّ التأخر كان بسبب الحرب على سورية وبسبب أوضاع العراق وأيضاً عدم الاستقرار السياسي الذي نعانيه نحن في لبنان.
إذن لم تكن أحلام "إسرائيل" بأن تكون مرفأ المنطقة قابلة للتحقق على أرض الواقع، واليوم بعد الحرب الإجرامية على غزة صارت الأحلام أشبه بالأوهام التي لا يمكن أبداً أن تصير واقعاً.
وأشار الخبير بهجة إلى أنّ هذا التطور يدخلنا إلى جبهات الإسناد ومدى فاعليتها في هذه الحرب، حيث التأثير الكبير لكلّ من جبهتي اليمن والعراق وما تقوم به فصائل المقاومة في البلدين من عمليات نوعية ضدّ العدو، وطبعاً لدينا جبهة جنوب لبنان التي لها ميزتها كونها جبهة حدودية ولها تماس بَرّي في مواجهة العدو، وها هي تحقق المزيد من الإنجازات في العمليات البطولية وفي نوعية الأسلحة المستخدمة حيث يفاجأ العدو كلّ يوم بأنّ المقاومة تدخل سلاحاً جديداً إلى أرض المعركة، كما تفاجئه بقدراتها على الاستعلام والمعرفة الدقيقة بمواقعه وتحصيناته المستحدثة واستهدافها بدقة فائقة، وأيضاً لا ننسى سلاح الجو الذي دخل على الخط أيضاً وأجبر طيران العدو على التراجع والعودة إلى قواعده في فلسطين المحتلة...
كما أوضح الخبير بهجة أنه على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي فإنّ التداعيات لا تعدّ ولا تحصى، منها التأثير الغير مباشر وبشكل خاص على التدفقات المالية والاستثمارية من الخارج، ومنها التأثير المباشر الذي يتمثل أولاً بانعدام الحركة في القطاع السياحي، وتوقف عجلة الإنتاج بشكل كبير جداً في قطاعي الصناعة والزراعة، لا سيما أنّ كلّ المصانع والمزارع في منطقة الجليل وفي منطقة غلاف غزة متوقفة عن العمل والإنتاج بشكل كامل، ومعلوم أنّ هاتين المنطقتين فيهما حجم كبير جداً من الاستثمارات الصناعية والزراعية، هذا فضلاً عن توقف حركة الملاحة في مرفأ إيلات (أم الرشراش) الذي أعلن إفلاسه قبل أيام وتسريح موظفيه وعماله، إضافة إلى تراجع كبير في حركة مرفأ حيفا، وأيضاً الاستعداد اليمني والعراقي لتوسيع رقعة الاستهدافات باتجاه مرفأ أسدود...
وإذا أضفنا إلى ذلك تنامي حركة المقاطعة في مختلف أنحاء العالم لكلّ الإنتاج الإسرائيلي يمكن تقدير حجم الكارثة التي حلت بكيان العدو، وهذا الأمر لا تحلّه المساعدات المالية الخارجية التي يمكن أن يحصل عليها الكيان بعد الحرب، لأنّ المسألة تتعلق بالأسس الاقتصادية التي تزعزعت وبات من المستحيل ترميمها...



